(( في اليَمَن ))
لقد سرتُ في الأرضِ طُولاً وعُرضا * فآنستُ أرضاً وغادرتُ أرْضا
فيومـاً يصـادفني ما رضِيْــتُ * ويوماً أصادفُ ما لستُ أرضـى
فيومٌ على القلبِ حُبّاً وخيــراً * ويومٌ على النفس نهشاً وعضّـا
ويومٌ يمُرُّ ويقضي سريعــــاً * ويومٌ أكابدهُ ليس يُقضــــى
إذا ما وجدتُ قلوباً صِحاحــاً * أقَمْتُ .. وغادرتُ إنْ كُنَّ مرضى
ترى بعضَهمْ للغريبِ لطيفاً * وآخَرَ نحو العداوةِ حَضّا
فَمَنْ لم يكنْ فيه عقلٌ رشيــدٌ * يرَ الخُلْقَ والعيشَ والناسَ فوضى
ألِينُ لمـن لانَ لي غيرَ أنّـــي * على كُلِّ خَشْنٍ مِنَ السيفِ أمْضى
فأُكْرَمُ عنـد الكريمِ وألقـى * بذي اللؤمِ طَرْفاً عن الخير غُضّا
وكُلٌّ قَنوعٌ بخُلْـقٍ لديهِ * لذلك بعضٌ يخالفُ بعضـا
وهل يأكلُ الخيرُ والشرُّ عَزْمي ؟ * وإني اقترضتُ التغـرُّبَ قَـرْضـا
رأيتُ الحقائقَ عند ارتحالي * وكم كنتُ أهوى التفكُّرَ مَحْضا
وما الظنُّ مِثْلَ اليقـينِ بشــيءٍ * ولا حين تُفْضي إذا الشيءُ أفضى
فيوماً سكنـتُ الجبالَ العوالــي * ويوماً مِنَ الأرضِ سَهلاً ورَمْضا
حَلَلْـتُ بأرضٍ يمانيّـــةٍ لا * تهونُ لعَرضٍ إذا رُمْتُ عَرضـا
فسُكّـانها في أعـالي الجبــالِ * كأنهمُ عشِقـوا العيشَ رَبْضــا
وقـد سكنَ النَّسرُ تحت الديــارِ * وبينهـمُ الغيـمُ مشياً وركضـا
ومِن تحتـها الغيـمُ كالبحرِ يبـدو * ومِن فوقها بَثَّ رعْداً وَوَمْضــا
ففـوقَ السحابِ وبـينَ السحابِ * وتحت السحابِ بدا العيشُ بَضّـا
ففصـلُ الشـتاءِ ترى الدفءَ فيهِ * فما البردُ مضجعَهُمْ قد أقضّــا
وفي الصيـفِ أمطارُهـا تتهاوى * فينقبـضُ الحرُّ عنهنَّ قبْضــا
ربيـعٌ مـدى العـام لا البردُ فيها * شتاءً ولا الحرُّ قد زارَ قَيْضــا
وتحلـو الحـياةُ علـى أي حـالٍ * بخِلٍّ يُنِيلُ العـداوةَ غُمْضا
فأجمـلُ عَيشٍ - على ما أراهُ - * بأن لا يرى المرءُ كُرهاً وبُغْضا
شعر/د. رشيد هاشم الفرطوسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق